مجازر ترتكب بحق «أيقونة العراق»النخلة العراقية … قتيلة الإهمال وضحية النزاعات والحروب

مصطفى علاء

في الساعة العاشرة مساء، وعلى غير العادة بدأ النعاس يتسلل شيئا فشيئا إلى احمد عبد الواحد وهو شاب يعمل بمؤسسة إعلامية، ويمارس مهنة كل يوم مارا بطريق الدورة ببغداد, وحين بدأ وعيه يعجز عن ملاحقة الصور، واستيعاب الأحداث، أغلق نوافذ سيارته وأطفأها , وعند الصباح نهض متثاقلا وشاهد الكارثة التي يعيش بها العراق، وقبل إن يتساءل عن السبب, فتح نافذة السيارة, واخرج الهاتف الشخصي لالتقاط صور موت نخيل العراق.

كارثة حتمية
لا يكاد «عبدالله» يتذكر عراق ما قبل الحرب، الذي عاش معزولاً عن العالم لسنوات, لكنه اليوم نتاج مجتمعٍ عراقي ذي جذورٍ ضاربة في الفن والحضارة والآثار والثروة النفطية والثروة الزراعية , وبرغم شح موارده المالية فقد عرض على جهات رسمية ان يتبنى زراعة النخيل في المناطق المجاورة له بعد ان ضربها الجفاف , فالعراق يمر بمرحلةٍ صعبة، لكنه مازال ينبض بالحياة.
حلمه الكبير عودة لسابق عهده ويعود هو إلى بيته, الذي تركه مضطرا, ولضيق ذات اليد أضطر لتبديل السكن عدة مرات, وأصبح متجولا في بغداد، حتى سكن في منطقة زراعية في منطقة الدورة ببغداد .
مأساة متكررة
ويقول عمار (طالب 22 عاما): «بات الكثير من الناس يشاهدون هذه البساتين التي تأكلها النار, مصاحبة للدخان الخانق على طريق محمد القاسم باتجاه الجامعة التكنولوجية, وهذه مشاهد مروعة «مجزرة من نوع آخر» اذ يرتكب البعض مجرزة بحق النخيل في هذه المناطق.
وينظر محمد ميثاق (25 عاما), للموضوع من زاوية مختلفة فيوضح ان أجدادنا وجداتنا واباءنا وامهاتنا كانوا يحدثوننا عن تاريخ النخيل وعن أصنافها «البرحي» و»البربن «والزهدي «والخستاوي» وانواع كثيرة أخرى, هذه جميعها اندثرت إلا القليل تأتي من المحافظات الجنوبية.
النخلة العراقية .. قتيلة الإهمال
ويرى المحامي عبد المحسن حمود «ان الطرق الخارجية الرابطة بين المحافظات تزخر بغابات نخيل كثيفة تقع على جوانبها لمسافات طوال, ويمتد وجود النخيل من المحافظات (ديالى وبابل وكربلاء والنجف) باتجاه الجنوب بشكل متواصل، إلى حيث تقع المحافظة التي كانت في يوم ما موطن أجود أصناف النخيل في الكرة الأرضية كلها وليس في العراق فقط، وهي محافظة البصرة, وتمتد بنسبة أقل مساحات من بساتين النخيل في المحافظات الغربية والشمالية. وأضاف: «وجود النخلة يكاد يكون معدوماً في إقليم كردستان، ولا سيما اربيل ودهوك، لعدم ملائمة المناخ في تلك المحافظات لزراعة هذه الشجرة.ويعلق المهندس مرتضى الهاشمي أن «السائر اليوم في المناطق العراقية التي يزرع فيها النخيل ـ مناطق الوسط والجنوب ـ بإمكانه الحصول على مناظر من غابات نخيل كثيفة تتوزع بين أرياف تلك المناطق ومدنها، ولكن ليس على حد سواء بالطبع, فللأرياف الحصة الأكبر بطبيعة الحال، إلا ان ذلك لا ينفي وجود بساتين نخيل داخل المدن.
وأضاف: «العاصمة بغداد تحتضن بساتين نخيل عدة، حتى في مركزها وليس على أطرافها فقط, ولعل بساتين نخيل قريتي «عرب جبور» و«البوعيثة» التابعتين لمنطقة «الدورة» من أشهر تلك البساتين، فضلاً عن أخرى صغيرة تتوزع في بعض المناطق المركزية في بغداد، ومنها «القادسية» و«العطيفية» و«الكرادة». وتستبشر عين المواطن بمناظر نخيل أكثر كثافة عند المرور بمناطق أطراف العاصمة والخروج منها نحو محافظات الوسط والجنوب، ولا سيما المحافظات القريبة من بغداد،كديالى وبابل وكربلاء والنجف.
ويبيّن مرتضى وعلى وجهه تلوح علامات الندم: تلك المشاهدات التي تبعث على الاعتقاد بأن النخلة العراقية مازالت في أحسن أحوالها، سرعان ما تتلاشى عندما تواجه لغة الأرقام الناطقة بلسان حال النخيل, وتختلف أحاديثها الواردة في البحوث والدراسات المعدّة لهذا الشأن، لكنها تتفق على محصلة نهائية بأن حال النخلة العراقية ليس على ما يرام، وأن عاملين أساسيين يقفان وراء التدهور الذي عانته وتعانيه هما الحروب والإهمال . ومع أن وزارة التخطيط أكدت أكثر من مرة أنها لم تجر إحصائية رسمية للنخيل في الوقت الحاضر، وأنها ستجري تلك الإحصائية بالتزامن مع إجراء التعداد العام للسكان الذي لم يُحدد موعد له حتى الآن، إلا ان بعض التقارير الصحافية تتحدث عن تراجع عدد أشجار النخيل في العراق في الوقت الحاضر إلى نحو 16 مليون نخلة. وتتحدث تقارير أخرى عن تراجع العدد الى نحو 13 مليون نخلة أو 10 ملايين نخلة، بينما تزعم تقارير صحافية أخرى أن عدد النخيل في العراق اليوم لا يتجاوز 6 ملايين نخلة، بل انها لا تزيد على 3 ملايين نخلة في الوقت الحاضر. وأكدت وزارة الزراعة أنها تمكنت وبـ«خطوات مدروسة» من رفع عدد أشجار النخيل من 7 ملايين نخلة إلى 21 مليون نخلة .وقد يكون لمعاناة المزارعين دور في تقليل ثقة الناس بخطوات الدولة وجهودها المعلن عنها لإعادة أمجاد النخيل، لأن تلك المعاناة تبدو عصية على الحلول في المدى القريب, ويأتي على رأسها موضوع شح المياه الذي حوّل مساحات زراعية شاسعة الى أراض قاحلة، إذ لا ينتظر من دولة تستند قواها السياسية ـالمتنازعة دائماًـ إلى قوى إقليمية أن تنجح في إعادة فتح الروافد والجداول الـ45 التي أغلقها الجانب الإيراني، والتي كانت تغذي الأنهار والأهوار في العراق، أو حمل تركيا على إطلاق حصة العراق من المياه بغية إنقاذ أغلب الأراضي الزراعية من خطر الجفاف

عن المؤلفين /


Related Articles

أضف تعليقاتك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها ب *