“الجعفري” يَسوق نساء العراق لعصر الجواري- صفاء خلف

“الجعفري” يَسوق نساء العراق لعصر الجواري- صفاء خلف

16/09/2017 منوعات

أحاط المتشددون من رجال الدين الشيعة، فكرة إخضاع “الأحوال الشخصية” إلى “الشريعة” بالعناية منذ أن صار لهم دور سياسي في العراق، وظلّت محاولاتهم حثيثة لفرض أحكام بدائية مقابل تهشيم قانون الأحوال الشخصية التقدمي الذي أُقرَّ في العام 1959، والعمل على إلغائه مستقبلاً بعد إفراغ محتواه وتشويه نصوصه بسلسلة تعديلات في مرحلة ما بعد 2003، سبقتها تعديلات “سياسية” قام بها نظام صدام حسين على مدى ثلاثة عقود.
تنطلق الدعوة الجديدة من كراهية قديمة نمت من القناعات ذاتها التي انطلق منها رجال الدين الشيعة قبل ستة عقود، ومحاولتهم “أسلمة” المجتمع وإخضاعه لسلطة بطريركية، وتوزيع المصائر الشخصية على غرف يجلس فيها رجال دين على الأرض ــ كدلالة على التواضع ــ فيما يمارسون دوراً هائلاً في تسيير المجتمع باعتبارهم حُراساً على الإيمان ــ كدلالة على الكبرياء ــ متحكمين وفق التفسيرات الغامضة التي يُخرجوها من بطون كتب عفا عليها الزمن والتطور الاجتماعي، كدلالة على التمسك بالشريعة وعلى الحاكمية.

سيرة مضطربة
تعود الجذور الأولى للموقف المتشدد من تشريع أي قانون أحوال شخصية يخضع لضرورات التطور المدني والمديني في العراق، وإخراج “الأسرة” و”الأفراد” من الأعراف واجتهاد رجال الدين والتأثيرات الاجتماعية الواقعة عليهم نظراً للبيئة الذكورية القابضة على مصائر النساء والمُسيّرة للمصالح اليومية طبقاً للصبغة العشائرية والقبلية، والتحرر من نسق “المحاكم الشرعية” العثمانية الذي ظل سائداً إلى ما بعد تفكيك هذه الدولة بنحو عقدين ونيّف. الرفض الشيعي لتحرير “المعاملات الشخصية” من الفقه هو نتيجة مخاوف فقدان السلطة الروحية على “الأتباع” واضمحلال المكانة الاجتماعية – السياسية عند السلطات. لذا كان هذا الرفض موجهاً على نحو دقيق إلى “الحاكمية” على الأحوال الشخصية، فيما الفئة الأكثر تضرراً ستكون بالضرورة النساء اللواتي يخضعن لهيمنة الأعراف والشروط الدينية القاسية التي تجعل خياراتهن الفردية محط “تحكم” اجتهادات حراس الشريعة، عبر السلطة المفوضة إليهم دينياً وغير المعترض عليها اجتماعياً نتيجة السيادة الذكورية التي تخشى تحطيم صورتها التقليدية في المجتمعات الشرقية عموماً.
بدأت معركة الإخضاع الاجتماعي، في العام 1876، حين استكملت السلطات العثمانية ما يمكن اعتباره لائحة قانونية رسمية حديثة لتنظيم التعاملات اليومية المتعلقة بالتجارة والعقود والعقوبات، عرفت بـ”مجلة الأحكام الشرعية” وكتبت على مدى ستة عقود واعتمدت فقه المذهب الحنفي، وسرت أحكامها في المدن العراقية، مع إغفال متعمد لتنظيم الأحوال الشخصية. لكن الإشارة “الثورية” للوثيقة كان باعترافها بضرورة قانون “مدني” ينظم العلاقة بين الأفراد: “… والحاصل أن الإنسان من حيث أنه مدني بالطبع لا يمكن أن يعيش على وجه الانفراد كسائر الحيوانات بل يحتاج إلى التعاون والتشارك ببسط بساط المدنية”.
الفقه الشيعي يجعل سن التاسعة سقفاً للتزويج الفعلي، وما دون ذلك يصح كتابة عقد لـ”المداعبة الجسدية” دون “دخول شرعي”. أثبت كبار الفقهاء الشيعة في فتاواهم هذا “التصور الاجتهادي” فيما رفضه آية الله محمد حسين فضل الله وآية الله محمد باقر الصدر.
ظلت الأحوال الشخصية أيضاً عائدة إلى “حاكمية” رجال الدين سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين. الصدام الأول وقع حين أقرّ قانون “العائلة العثماني” في العام 1917، الذي رفضه رجال الدين الشيعة، ما جعل عامة الشيعة يعرضون عن تقديم قضاياهم إلى القضاة الرسميين فيما يخص “الدعاوى الشخصية”، ونقل عن أحد قضاة كربلاء وقتذاك أنه “مكث في منصبه تسعة أعوام لم يرَّ فيها ولا دعوى واحدة”.
فالحاكمية الشيعية اعتبرت تحييدها بما يخص “الأحوال الشخصية” كاعتداء مباشر على سلطتها، على الرغم من أن الموقف الشيعي كان مؤيداً لدستور الاتحاد والترقي 1908 الذي نص على التحرر من “الشريعة” في حكم الدولة، والذي رفضه رجال الدين السُنة. إلا أن قانون العائلة العثماني المنبثق من ذاك الدستور قوبل برفض شيعي وموافقة سُنية. ومن المفارقة أن قانون العائلة العثماني ما زال مطبقاً في المدن الفلسطينية المحتلة عام 1948 و1967 والواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية الآن، بضمنها كل التشريعات الخاصة بالمجالس الروحية اليهودية والمسيحية وغيرها من الطوائف والديانات دون أي تعديل. فيما يحتكم القانون اللبناني في بعض نصوصه إلى ذاك القانون.
محاكم لضمان الولاء
عقب تأسيس الدولة العراقية الحديثة في العام 1921، ولضرورات سياسية بحتة، ولتقريب العلاقة بين الطائفة الشيعية والبلاط الملكي السُني نتيجة المخاوف الوطنية من انقسام يهدد العرش العراقي غير المستقر، طرح أبرز كتبة الدستور العراقي الملكي، ناجي السويدي، بوصفه وزيراً للعدلية آنذاك، قانون المحاكم الشرعية المتأسس على القانون الوقتي للمرافعات الشرعية المُقر في العام 1921، والذي عززته المادة 77 من القانون الأساسي العراقي عام 1925 (الدستور الملكي). فجاءت تلك الخطوات إرضاءً للموقف الشيعي المتزمت من إدارة الأحوال الشخصية، والذي قُسّم بموجبه “الاحتكام الشرعي” على أساس محاكم شرعية “جعفرية” و”سُنية”، والأخيرة التزمت بقانون العائلة العثماني، وترأس المحاكم الجعفرية العالم الشيعي هبة الدين الشهرستاني. يُقرّ موظفين بريطانيين رفيعي المستوى، وهما إدجار بونهام كارتر (قاضي رفيع) ونيجل ديفيدسون السكرتير القانوني للمفوض السامي البريطاني بأن الحكومة البريطانية كانت وراء منح “الأحوال الشخصية” إلى رجال الدين الشيعة لـ”ضمان دعمهم للنظام ولنا”، على الرغم من اعتراض الانتلجينسيا الحضرية الممثلة بالنخبة العراقية المدنية والعسكرية التي خدمت في الدولة العثمانية، وصارت فيما بعد النخبة الحكومية من روؤساء وزارة ووزراء ونواب وقادة عسكريين، لاعتقادها بأن العراق يحتاج إلى “قانون مدني” وليس لاجتهادات شرعية يتحكم بها معمَّمون.
على مدار عقود، قاد آية الله محسن الحكيم التحريض المباشر ضد التحديث. اعتبر عبد الكريم قاسم “فاسقاً” وحكومته “مخالفة للشرع”، وكفّر الحزب الشيوعي واعتبر أعضاءه ــ وغالبيتهم من الشيعة ــ “كفاراً”، مبرراً مواقفه برفض الحكومة إلغاء قانونين: الأحوال الشخصية، والإصلاح الزراعي.

لكن الود الشيعي – الملكي لم يستمر طويلاً، واصطدم الطرفان في العامين 1933 و1945 نتيجة رغبة حكومات العرش بإيجاد قانون أحوال شخصية موحد، لينتهي الصدام بإلغاء التشريع بموجب قانون ذيل قانون أصول المرافعات المدنية والتجارية رقم 88 لسنة 1956، وذيل قانون رقم 40 لسنة 1963.
مثّل المجتهدون الشيعة الصخرة العنيدة إزاء طرح أي تعديل لقوانين الأحوال الشخصية، على الرغم من تحفظاتهم على قانون المحاكم الشرعية الذي منحهم حيزاً كبيراً لإدارة شؤون الطائفة اجتماعياً، إلا أن رغبتهم الدائمة كانت تتمثل بفصل كل ما يتعلق بـ”الفرد الشيعي” اجتماعياً ومالياً عن الدولة، وإخضاعه لسلطة رجال الدين وحدهم، تعزيزاً لمكانة الطائفة، وخشية من صهر “المجتمع الشيعي” بـ”مجتمع الدولة” التي تتعاطى سياسياً على أساس الولاء للمواطنة المتمثلة آنذاك بالعرش والمملكة، مع بروز التيارات القومية الجارفة والماركسية التي حظيت بترحيب بعض الأوساط.
طرحت الحكومة الأولى للقومي رشيد عالي الكيلاني في العام 1933، مسودة مشروع لتوحيد قوانين الأحوال الشخصية السارية في المملكة العراقية، بوصفها أبرز تمثلات “الانقسام الاجتماعي الوطني العراقي”، كأحد مشاريع حزب الإخاء الوطني لمؤسسه ياسين الهاشمي، وشكل الكيلاني لجنة تدوين قانوني لإعداد مسودة القانون، لكن المسعى تعثر نتيجة اخفاق الحكومة سياسياً وحلها في أواخر العام نفسه، فضلاً عن ضغوطات نجفية.. ليعاد إحياء الفكرة مجدداً في العام 1945من حكومة حمدي الباجه جي والتي استمرت عامين وسميت بـ”حكومة القوانين”، حين شكلت لجنة من أربعة قانونيين لوضع “لائحة قانون الأحوال الشخصية”، وأنجزت هذا المشروع. لكنه ظل حبيس أدراج تلك الحكومة نتيجة الاعتراض الشيعي القوي الذي أطلقه آية الله محسن الحكيم، بدعم من مرجع الطائفة الأعلى محمد حسين آل كاشف الغطاء. وكشف الحكيم عن موقفه الرافض لقانون 1945 في رسالة إلى حكومة انقلاب البعث في شباط 1963، مجدداً المطالبة بإلغاء قانون 1959 الذي أقرته حكومة عبد الكريم قاسم، بأنه – أي الحكيم – رأى أن القانونين “خالفا الشرع” وأنه في “العهد الملكي أرسل أحد أولاده إلى مجلس الأمة لحث النواب على عدم إقرار القانون، فانصاع النواب واضطرت الحكومة إلى إحالته على لجنة مختصة لدراسته وإعادة النظر فيه”.

ظّل العمامة
شكّلَ آية الله محسن الحكيم جدار المعارضة الصلد لأية محاولة تحديث لواقع الأحوال الشخصية في العراق، وظل على مدار عقود يقود التحريض المباشر ضد المساعي الحكومية للتحديث، ووصل به الأمر إلى جعل عبد الكريم قاسم “فاسقاً” واعتبار حكومته “مخالفة للشرع”، ليختتم صراعه مع التقدمية العراقية بـ”تكفير” الحزب الشيوعي العراقي واعتبار أعضاءه الذين بغالبهم من الشيعة “كفاراً” في العام 1959، مبرراً مواقفه المتطرفة تلك لرفض الحكومة الجمهورية إلغاء قانونين ينصفان الأفراد العراقيين من الاستغلال، وهما قانون الأحوال الشخصية، وقانون الإصلاح الزراعي.
تحرير المرأة، كان سبب الصدام الأول بين قاسم والحكيم، ومعاداة الحكم الجمهوري لـ”الحجاب” بنى حاجزاً بين الرجلين، ما انسحب ليكون حاجزاً بين السلطتين. وبحسب أول متصرف جمهوري (محافظ) لكربلاء والنجف، فؤاد عارف، فإن حكومة الثورة رفضت منح ترخيص لطباعة كراس ديني نجفي بعنوان “العفاف بين السلب والإيجاب” بوصفه يحوي على “أفكارٍ رجعية”، فتفجرت الأزمة بين الرجلين، فضلاً عن ازدياد النشاط النسوي في التظاهرات المؤيدة للثورة ذات الصبغة اليسارية التي قادتها نساء سافرات في كربلاء والنجف، ما جعل رجال الدين الشيعة يجمعون أنصارهم على مرتين متتاليتين بإشراف الحكيم والخروج بتظاهرات مناوئة.
كان الاعتراض الشيعي المباشر على قانون الأحوال الشخصية الذي ينظم الزواج والطلاق والإرث، ويحدد تعدد الزوجات، ويشترط تزويج النساء بعمر يتراوح حده الادنى 16 – 18 عاماً منسجماً مع الفقه السني ولا سيما الحنفي منه، فيما الفقه الشيعي يجعل سن التاسعة سقفاً للتزويج الفعلي، وما دون ذلك، سنٌ يصح فيه كتابة عقد لـ”المداعبة الجسدية” دون “دخول شرعي”. وأثبت كبار الفقهاء الشيعة في فتاواهم هذا “التصور الاجتهادي” كالمراجع محمد كاظم اليزدي، وأبي الحسن الموسوي الأصفهاني، ومحسن الحكيم، والخميني، وأبي القاسم الخوئي، والسيستاني الذي رفع أحكام زواج الرضيعة من فتاواه، فيما رفضها آية الله محمد حسين فضل الله وآية الله محمد باقر الصدر.
وتحقيقاً للثورية في القانون الجديد، بات الإرث يوزع مناصفة بين المرأة والرجل، لكن هذه المادة عُدلت عقب انقلاب شباط/فبراير 1963، لجعلها مطابقة لـ”الحكم الشرعي”، إلا أن تعديل القانون لم يلغ من معاداة الحكيم والنخبة النجفية له.
ويمكن أن نرجع هذا التزمت الفقهي لكبار الشيعة إزاء أي قانون منصف للمرأة ومدنية الأحوال الشخصية، إلى رؤية المرجع الشيعي الأعلى محمد حسين آل كاشف الغطاء، بشأن المجلة العثمانية التي قيدت القضاء بالقضاة المعينين من قبل السلطة بأن “القضاء والحاكمية عند الإمامية منصب إلهي لا دخل له بالسلطان، ولا بغيره، ينصبه العدل وجامعية الشرائط، ويعزله زوال بعض الصفات الركنية من العقل والعدالة والاجتهاد، فلا يتقيد بزمان ولا مكان”.
العودة إلى الجذور
حين قبض صدام حسين على السلطة وحتى قبل إعلانه رئيساً مطلقاً للعراق، قامت السلطة بسلسلة تعديلات على قانون الأحوال الشخصية الذي وضعته الجمهورية الأولى. وعلى مدى 30 عاماً، أدخلت أكثر من 10 تعديلات على القانون على الأقل، كانت تستهدف حرمان المعارضين من حقوقهم الزوجية والإرثية، فضلاً عن الظواهر التي أفرزتها الحرب الطويلة مع إيران، لاسيما مع زيادة عدد الأسرى والمفقودين، وبعضها منح النساء حركة أكبر داخل المجتمع. لكن تعديلات أخرى سرت في التسعينيات واتجهت نحو “الأسلمة” بعد أن أطلق رأس النظام “حملة إيمانية” لترقيع العلاقة المنهارة بين السلطة والمجتمع العراقي، ولاسيما الغالبية الشيعية، على الرغم من أن ذاك الترقيع الديني أخذ منحى متطرفاً، أفرز ظواهر عادت بالمجتمع إلى حقبة ما قبل الدولة الحديثة، مع الدعوة إلى تبني “الدين” كمنهج حياتي يومي، والترغيب بـ”الحجاب” وإطلاق حمى التنافس الشيعي– السُني على أهلية الشريعة لحكم المجتمع، في محاولة من السلطة للحفاظ على نفسها.
مخاطر العودة الى طرح “القانون الجعفري” قائمة بإعادة تقديمه مجدداً بـ”مسمّى” آخر قد يُغطِّي على الحساسية الطائفية للتسمية مع الابقاء على المحتوى.
لحظة سقوط نظام قابض وشمولي، كان ثمة فورة عنف مجتمعي آخذة بالتصاعد على نحو مقلق ومثير في عموم البلاد، وفي جنوبه (البصرة) تحديداً، مع بروز محاولات فرض “الأسلمة” بنمطها “الشيعي”، مستثمِرة قبول غالبية السُكان المتأثرين بالعاطفة الدينية كتعبير عن حالة “الكبت التاريخية” منذ أن برز تيار التدين بعد حرب الخليج الثانية (غزو الكويت)، وكأن الأمر نوع من التعويض القهري لمعاداة أفكار وممارسات النظام السابق.. لكنه كان نوعاً من التخبط الديني المريع الممزوج بالعاطفة السطحية لتبرير الدفاع عن الذات المقموعة، وطريقة للانتقام من “العلمانية” التي انتعشت منذ بداية تشكل العراق البريطاني الحديث في العام 1921.. كانت الحلقة الأضعف لفرض النمط الجديد من الأفكار هو التعدي على حرية النساء المكتسبة عبر نضال طويل، وعبر سياسات إيجابية منذ صدور قانون 1959. فكانت النكبة المؤلمة في محاولة الرئيس الدوري لمجلس الحكم عبد العزيز الحكيم (نجل المعارض المتشدد للقانون آية الله محسن الحكيم) إصدار القرار 137، الذي مَثّلَ ردة رجعية إلى ممارسات يتحكم بها رجال دين ويفرضون تفسيراتهم على المجتمع، ويعودون به إلى ما قبل التنظيم المديني للدولة الحديثة. وعلى الرغم من إلغاء هذا القرار فيما بعد بتصويت غالبية أعضاء مجلس الحكم، إلا أن فكرة إخضاع الأحوال الشخصية التي أحاطها المتشددون الشيعة بالعناية ظلت مطروحة، ونجحوا بفرضها (وإنْ بتقنين للاسلمة الاجبارية) بوضع مادة دستورية تجعل احتكام الأفراد في شؤونهم الشخصية وفقاً للمادة 41 من الدستور العراقي الدائم المُقرّ في 2005 بأن “العراقيين أحرارٌ في الالتزام بأحوالهم الشخصية، حسب دياناتهم أو مذاهبهم أو معتقداتهم أو اختياراتهم، وينظم ذلك بقانون”. وهذه الصياغة جاءت من طرف السفير الأميركي في بغداد حينها (2005) لإرضاء المتشددين الشيعة الساعين إلى إلغاء القانون ذاته.
واجه القرار موجة اعتراضات واسعة، ورأت عدد من النائبات العراقيات أن تلك المادة “تفتح الباب لفتاوى عشوائية في مقدرات ومصائر الأسر مما يؤدي إلى تفككها وتشرذمها، بالإضافة إلى ترسيخ الطائفية والتفكك الأسري في المجتمع العراقي”. ومع وصم رجال الدين بوصمة المناهضين للمرأة، كان أيضاً ثمة جهد في المقابل، لوصم الناشطين في مجال حقوق المرأة بالمناهضين للإسلام وبكونهم لا يمثلون مجمل المجتمع العراقي. وكثيراً ما جرى تصوير الناشطين كمنفصلين عن الوقائع في العراق. وهو ما تُرجم لاحقاً في البصرة بهجمات مريعة ضد النساء بحجة مخالفتهن الشريعة والأعراف الاجتماعية، لاسيما بين عامي 2005 و2008.
وطبقاً لسجلات الشرطة وإحصاءات جمعتها على مدى ثلاثة أعوام (2005 – 2008)، فإن عدد النساء المقتولات في البصرة بحجة “مخالفة الشريعة”، بلغ 85 ضحية في العام 2005، وارتفع العدد في العام 2006 إلى 96 ضحية، فيما شهد العام 2007 أكبر حملة قتل منظمة، بلغ عدد ضحاياها 133 ضحية، لينخفض بعدها معدل القتل إلى أقل من 50 قتيلة في العام 2008 إثر حملة عسكرية شنتها الحكومة ضد الميليشيات المتطرفة.
وعلى الرغم من الإنكار الحكومي المحلي حينها، والادعاء بأن حالات القتل “فردية” ولا تمثل منهجاً منظماً ضد النساء، على الرغم من أن معظم النساء قتلن على الشبهة فقط وبدافع “جرائم غسل العار”، أو انتقاماً من فتيات رفضن إقامة علاقات مع رجال الميليشيات بسبب الفارق الطبقي والاجتماعي، إلا أن تشابه طرق القتل المروّعة وتطابقها أشّرت على أن جهات القتل واحدة، وهي تنوعت بين التعذيب الجسدي الوحشي بآلات حادة، وإطلاقات نارية في الجسم، وبقر البطن، وسمل الأعين، والتعذيب حتى الموت بالمثقاب الكهربائي.

القانون الجعفري
بمنتصف تموز/ يوليو 2013، فاجأ وزير “العدل” حسن الشمري الأوساط بالإعلان عن مشروع قانونين مرتبطين معاً، وهما “قانون القضاء الشرعي الجعفري العراقي” و”قانون الأحوال الشخصية الجعفرية”، وتقديمهما إلى الحكومة التي بدورها إحالتهما إلى مجلس النواب. لكن عاصفة اعتراضات من مراكز الثقل المدنية في المحافظات الجنوبية وبغداد، فضلاً عن الاعتراض النيابي السُني والنسوي، شكلت حائط صد لعرقلة تشريع القانونين، اللذان مثّلا سابقة خطيرة في ترسيخ الانقسام الطائفي في البلاد، لاسيما وأن وزارة العدل لم تقم بالوقت نفسه بوضع مسودات قوانين موازية للطائفة السُنية أو بقية الأديان الأخرى لتبرير تمييز الشيعة دون غيرهم بقانون، ما رسخ الاعتقاد بأن حركة الشمري يقف وراءها حزب الفصيلة الإسلامي وزعيمه الروحي آية الله محمد اليعقوبي، تمهيداً للفوز في الانتخابات التي أجريت في العام 2014، بعد أن خسر الحزب ثقله السياسي ومقاعده في مجالس المحافظات ومجلس النواب. فكانت مغامرة سياسية “طائفية” قد تودي بوحدة البلاد المهددة، لحيازة عدد من المقاعد والامتيازات السياسية.
معاداة قانون الأحوال الشخصية العراقي انتقلت من آل الحكيم إلى حزب اليعقوبي تحت الإطار نفسه: تحقيق الهيمنة السياسية والاجتماعية على الشيعة العراقيين، ونزع الصفة المدنية للدولة العراقية وإعادتها إلى حقبة الغرف الصغيرة في القرى التي يتحكم عبرها رجال الدين بالمصائر، دون مراعاة مخاطر الانقسام الاجتماعي في ظل فورة من دعوات التقسيم “الطوائفية” و”المناطقية”. إلا أن مخاطر عودة طرح “القانون الجعفري” متاحة مع تلميحات نيابية بإعادة طرحه مجدداً بـ”مسمّى” آخر قد يغطي على الحساسية الطائفية للتسمية مع بقاء المحتوى بالخطورة ذاتها، ولاسيما مع وجود دعوة أثارت سخرية وانتقاد العراقيين للنائبة جميلة العبيدي التي طالبت بسن قانون يشجع على الزواج بأكثر من امرأة للقضاء على العنوسة.
* شاعر وكاتب من العراق

عن المؤلفين /


Related Articles

أضف تعليقاتك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها ب *