التصميم حسين عدوة التحديث سيف الشمري
جميع الحقوق محفوظة لوكالة اسرار الشرق العراقية للانباء
SP Technologies . 2000 -2007 - All rights reserved
الشاعرةعالية طالب الجبوري
ما أن وطأت قدماها باحة المكان حتى بدا شعور بالهزيمة يغتال خطواتها، وألم مزعج يطوق عينيها، وغبار هائل يجول داخل رأسها مختلطاً بأصوات غريبة تشق حنجرتها وتعلو فتخطف تفاصيل من ذاكرتها وتسقطها تباعاً أمام عينيها، فيما يستمر الألم يضغط برعب حول أنفاسها.تعود بعد قرار حاسم استطال ليبتلع إصرارها، وكيف ستجيب التساؤلات وضحكات الانتصار عليها، وتلك العبارات المغلفة بسياط لن يكون بإمكانها استئصال تسللها إلى أذنيها. تطلعت باتجاه المبنى الذي بدأ يقترب سريعاً، سنوات طوال أضاعتها داخل جدرانه، وجوه وأحداث وحوارات وتحمل ونزاعات شاركت فيها كلها، وتحملت معظمها. فلم يكن أمر تعايشها وسط الآخرين يهمها كثيراً، بقدر ما يهمها الإحساس بالانتظار الذي روضت نفسها عليه. ترى ماذا تنتظر؟... سؤال اعتادته، واستمرأت عدم الإجابة عليه، يكفيها شعورها بالانتظار فربما سينتهي كل شيء يوماً ما، في أية لحظة. كان هناك شيء من مشاعرها ينتهي وتهتف لسقوطه دون أن تفهم كيف يحتفل المرء بزواله بكل حياد العالم.ويوم شعرت أن لم يعد لديها ما تسقطه، لم تتعب كثيراً بالبحث، فقد اكتشفت أنها لم تكن تحتفل بخوائها إلا لتبقي شعور انتظارها متوحداً فيه، ستسترجع كل ما ابتهجت لزواله ودفعة واحدة. سيعود؛ هي واثقة؛ يوماً ما ستراه أمامها حاملاً كل سنوات وحدتها بكفن جميل سيدفناه سوية، سيختاران قبراً جميلاً، ولن تبخل الأرض يومها بكل ترابها الذي حفظ وقع خطواتها وحيدة!ما بالها تخاف الاقتراب، ومن أين يأتيها هذا التوجس المريب، مما تخشى؟ النظرات التي اعتادت ذبولها، همس الإحالات السقيمة كثيرا ما حملت أثقالها، الاستهانة، وعلام كل ذلك؟وهل بقي لديها بعض الإحساس بالألم لم تسقطه أمام توحد انتظارها ليعود اليوم شاهقاً يثقل خطواتها... أي انتظار جديد ستزاول، وكم من السنوات سيبقى عليها ترقبها واستمرار إحصاء تلك الهالات الزرق تحت عينيها، وآثار حدة التمزق المرسوم حول شفتيها كثيرا مما جعلاها تفكر بالتخلي عن ذلك الألم اللذيذ الذي يلاصق ترقبها. إلا أن تراجعها كان يجد دوماً ما يقتات عليه، فتعاود شطب كل ما أحصته من خطوط شاحبة فوق وجنتيها.يوما ما في زمن ما، أضاعته، نعم..؟بكل غباء العالم فعلت، وسؤال قديم تتذكره كل لحظة: لماذا؟أما كان يمثل حلماً تتمناه؟وبغباء منها قررت أن تبقيه كذلك، نعم مؤكد أنه كذلك.ما أكثر ما رددت: ( لابد للحلم أن يبقى حلماً).. لذا أضاعته، فما كان بإمكانها أن تمسك بحلم لتجعله حقيقة حتى لو أضنت ذاتها بالبحث عنه... عملية غبية، لكنها أحيانا تقف صادقة مع نفسها حين تقودها إلى الأثر الحقيقي لكل ما أقنعت به واقعها ليشكل سبباً يجعلها تفقده، في داخلها كان هناك الصدق الذي عاشته لحظة ألغت فيها كل ذاكرتها التي تحجز سعادتها، وحين اقتحمتها ثانية حملت جسدها بعيداً عنه رغم ما استردته في تلك اللحظة من سنوات قحط شربته حد التسمم، وبح صوتها ملتاعا.- كيف سأتخلص من تلوثي؟استدارت بسرعة خيل إليها أنها صرخت بعبارتها وهي تعاود النبرة القديمة ذاتها، فيما خطواتها تستمر حثيثاً باتجاه المبنى، اطمأنت أن لا أحد وراءها، كان المبنى قد اقترب أكثر ولم يبق لها إلا خطوات قصار.هو أيضا استدار يومها بعيداً، صدمته عبارتها، وبدا شعور بالتمزق يعلوه، لم يكن الأمر بيدها، شيء ما انكسر داخلها تشعر أنه سيجعلها تخجل من حمل جسدها بين الآخرين، بصماته سيراها الجميع، وأنفاسه ستطوف وراءها أينما حلت، وكل من يحيطها سيعرفها، وليسوا بحاجة لتحديد اسمه هي رائحة رجل غير شرعية. ولم تصرخ خوف أن تصدق صوتها - أيتها الشرعية - أنتِ تعذبينني، ودونك سيعذبني الآخرون.دخلت المبنى وشعور بالغربة يملأها، لم يكن الوجه وراء المنضدة مألوفاً لديها، اقتربت أكثر وهمست باضطراب، لم يسمعها الموظف جيداً، عاودت السؤال وهي تستذكر أسماء عديدة يبدو أن بعضها مازال موجوداً، كانت تلهث ودون أن تفهم ما يتعبها أهو ضعف ذاكرتها أم العودة للصراع مرة أخرى؟ وحاصرها شعور إرهاق عارم طوقها دون رحمة، فارتمت على أقرب مقعد قبل أن يكمل الموظف عبارته التي دعتها للانتظار، وشعرت ببعض راحة حين عاود الموظف أمامها حديثاً مع جليسها.أكان عليها في ذلك اليوم الذي هربت فيه من كل ما تريد، أن تسال لماذا ؟ مثلما استمرت تسأل نفسها كل يوم أكان ضعفاً حقاً عليها دفع ضريبته، أم كان نقاءً لم تحتمله وهي تدور داخل دوامة آثام لها صفة شرعية.صادقة هي مع نفسها حين تسترجع لحظة اتحاد روحيهما، فتسميها نبوءة عاشقين... وجريحة هي حين تلعن جسدها الذي ينزف ذاكرة مليئة بندم لا تعرف من أين يأتيها فيهشم كل إصرارها على النسيان. وفي كل هذا كان يقيناً ينز في داخلها ثائراً، إن هي إلا لعبة غبية، لكنها لم تكتشف حجم الألم الذي باستطاعة تلك اللعبة أن تسببه إلا بعد أن عاشت فيها بكل لوعتها، وضغط مشاعر الكبت الموجع المتأصل فيها، ولوثة البحث عن ماهيتها، وعطش الجفاف الذي غزا مساماتها، ونزف الألم الذي لا تعرف من أين يطبق عليها، ورغبة اتحاد دون ذاكرة نازفة، ولهفة نسيان قبل تذكر مؤلم وتصرخ حين تفقد ذاكرتها.