ابحث عن أماسيك التي افتقدها, وعن خطواتنا التي تسأل عن مسافاتك المليئة بالوجود والتي ما عدنا نعرف أين نضعها بعد إن تاهت منا بصماتنا التي كنا نعرف كيف نحصيها ونحن نراك ترقبنا وتربت بفخر على روؤس شيدت معنى رفعتها أينما تحركت,
أيها الوطن الساكن بين القلب والضمير, مشتاقة لوصية تهمسها في أذني, لنسمة تداعب وجهي, لرذاذ دجلة يرطب هواجسي, لتمرة عراقية تذوب في رضابي, لصوت آذان يصحبني ويقول لي الله يرقب تشتتي بعيدا عنك,
أيها الوطن الذي يكبر داخلي كلما ابتعدت عنه, وأصغي لهدهدته حين أغفو فيما العين ترقب صحوتها بين ترابك المقدس داخل قلبي,
أيها الوطن الذي تسابقني دموعي كلما سألوني عنك في غربتي ويأخذنا الصمت المترع بالألم ولا ادري أين اخبىء وجهي حتى لا يكبر ضعفي الذي لا تريده لي.
قيل لي إن ترابك غاضب وهو يضم رفات أطفالك وشبابك وشيوخك,
قيل لي إن أرضك المقدسة يرفع آذانها ولا يصمت إلا ليلتقط أنفاسه فيما تشق لوعة الثكالى طاقة احتمال صدرك الذي يضمنا جميعا أينما كنا
قيل لي إن مساجدك وحسينياتك وكنائسك وكل دور العبادة فيك تطالها أقدام الأغراب التي تعيث في قدسيتها الخراب,
قيل لي انك تلتفت بحثا عنا ويأخذك التعب ليل نهار, لكنك لا تغفو خشية علينا وخوفا من أنصال وحشية تبحث عن مساحة جديدة في خاصرتيك,
قيل لي انك تعرف لماذا تعشش الطيور ألان بعيدا عن المنائر والقباب بانتظار من ينثر لها السلام بدل الدمار, ولم اعد ادري كيف إداري خيبتي بالبعاد عنك, وكيف أقاوم ذلك الخوف عليك والذي كان مخبئا في مكان ما حين كنت فيك,
كيف أواجه وجعي الذي لا يتركني أغفو منذ اتسعت المسافات بيننا,
أه أيها الوطن الذي يسكنني, مشتاقة أليك والى دفق اطمئنان مليء بالحب كنت أداعبه ليل نهار فيك
لا تسألني عن غربتي فهي لا تشبه كل ما يحيق بك من ظلام بل اشد قسوة من صراخك الذي يشق عنان السماء وأنت تهتف فيمن اقتلعونا منك كفاكم ما تعبثون,
انتظر مثلما تفعل أنت عودة صوت المساء فوق ضفاف دجلة وجلسات الأحبة وكركرة الأطفال التي تلاشت,
أترقب معك امتزاج الرصافة والكرخ بعيدا عن أطماع إغراب لا ندري كيف تسللوا بغفلة عن محبتنا
اشتاق إلى فرحتي التي اعرف أنها مخبأة بين أرصفتك التي يدمرها الأوغاد صباح مساء
أتلهف إلى صباح أتأبط فيه قوتي وإصراري على حزم كل طاقتي لأنشأ لك صرحا يليق باسمك المتوهج رغم الغزاة
احترق لوعة إلى زيارة قبر أمي وترتيل سورة الفاتحة بين رفات أحبة احسدهم على أنهم افترشوا باطن ثراك المقدس
أتلاشى وأنا أقرا أسمك كل قليل في ثنايا عقلي وقلبي وأوراقي التي لا اعرف كيف أرتبها بعيدا عنك
آه أيها الوطن الغائص فينا منذ عرفنا طريق الله داخل نفوسنا
أه أيها الوطن الذي سأقول له كل ما عانيت من تشظي وألم ولوعة واغتراب مجبرة على تحملها وحدي
يا عراق من لؤلؤ تناوبته الأطماع وما استطاعت إن تزرع فيك اختلافنا وفرقتنا وتحزبنا, إلا أليك
يا عراق من جذور نبتت فينا ولا نعرف إلا إن ننغرز فيها لنشهر للعالم أجمع قوة إيماننا بك
سأراك غدا كما أنت شاهقا, حنونا, آمنا, تعرف كيف تضمنا دون حدود وكيف تغسل جراحك وتبني سورنا الذي يحتوينا جميعا داخل حضنك النبيل.