جميع الحقوق محفوظة لوكالة اسرار الشرق العراقية للانباء
SP Technologies . 2000 -2007 - All rights reserved
التصميم حسين عدوة التحديث سيف الشمري
عراق المحبة .. عراق التسامح
يواجهنا السؤال المهم في حياتنا بعد أن تمكن العراق التخلص من مخالب الدكتاتورية وأنياب الطغيان ، السؤال كيف نعيد ترتيب حياتنا وبيتنا ؟ كيف نمسح صدام من ذاكرة العراقيين بعد أن هوى الى قاع التاريخ يحمل معه كل تاريخه !!فبقاء صدام في حياة العراقيين يعيد الذاكرة المتشظية والمرعبة ، ويمنح خصوم العراق فرصة يحلمون بها ، بعد نهاية رمزهم . وتلك مهمة ليست بالسهلة بعد أن حل هذا الخراب العميق ، ليس في مناحي الحياة المتشعبة ، إنما في النفوس التي دمرها ، وترك آثاره الواضحة عليها طيلة تلك الفترات الزمنية القاحلة والخالية من المحبة والتآخي والتسامح في العراق ، وذلك من خلال حقيقة التحولات السلبية التي دخلت قسرا على الشخصية العراقية .وإزاء متغيرات كثيرة كانت تحكم علاقاتنا الاجتماعية وتتحكم في منظومة القيم الاجتماعية ، تمكنت تلك السلطات البائدة أن تعمل على تحريفها وتشويهها وتوغل في تخريبها ، علينا أن نعيدها الى العمل ونشيع الالتزام بها ونتمسك بها ، بالنظر لما لها من آثار ايجابية في حياتنا وعلى مستقبلنا ، ولعل من بين هذه القيم المحبة والتسامح والألفة بين الناس . تلك القيم التي كان العراقي يلتزم بها ويتفاخر بها كقيم اجتماعية وأعراف ملزمة بين العشائر والبيوت والأفراد والجماعات والطوائف والأديان . لايختلف عراقي صاحب وجدان مع آخر على معارضته لنظام صدام الدكتاتوري ورفضه لأسلوبه في السلطة ، ولهذا يترتب علينا جميعا العمل بكل الوسائل المتاحة على مسحه من الذاكرة العراقية الحاضرة ، لما سببه من تردي في النظام الاجتماعي وبؤس في الحياة العراقية وتدمير للشخصية العراقية الطيبة والبسيطة ، ولما خلفه من تدمير في البناء السياسي إضافة الى التخلف الأقتصادي المرير الذي لحق بالعراق وعمل عمدا على تدمير مستقبله لفترة غير قصيرة ، حيث لم يسبق لشعب أن تعرض في التأريخ الحديث لمثل ما تعرض له شعب العراق ، أذ تحقق فرض أعتى حصارين في التاريخ ، حيث تزامن حصار الأمم المتحدة والحصار النفسي الذي تفرضه السلطة الصدامية على الشعب العراقي ، بالأضافة الى الأيغال في عمليات الأذلال المنظمة ، وحجب الكثير من الخدمات الأساسية في الحياة العراقية . أذ أن البقاء أسرى الماضي يجعلنا نخسر من زمننا جزء مهم نحن بحاجه له في عملية الترميم والبناء الوطني ، وبعد أن رحل النظام الصدامي عن العراق الى الابد ترك خلفه جملة من المخلفات يتوجب على القائمين على ترتيب البيت العراقي معالجتها وتنظيف العراق منها دون خسارة عراقية كبيرة ، ودون أن ندفع بالناس للتخندق في المواقع المتقابلة المضادة لعملية البناء العراقي الديمقراطي والفيدرالي ، وأزاء تعارض مع منطق أستقلالية القضاء واللجوء اليه في التحقيق والمحاكمات العادلة ، عادت نغمة ( الجميع متهم حتى يثبت أدانته ) تفعل فعلها بيننا ، وهي تعيد الى الأذهان برامج السلطات البائدة ، وتلك نظرة سوداوية لاتنم عن الحكمة والتعقل ، ولاتنسجم مع عملية البناء والسعي لترميم الخراب ، ولايبدو أنها ستنتهي ضمن مدة زمنية قصيرة ليتفرغ العراق بعدها لموجبات ما أحدثه الخراب وما يتطلبه البناء الجديد ، وتكررت نفس الطريقة التي ارادها البائد صدام في اجتثاث أفكار سياسية بالأقصاء والملاحقة والسجن والموت ، وهي طريقة فريدة في الأجتثاث لم تستفد من تجربة صدام في عدم قدرته على اجتثاث حقوق شعب كوردستان والمسيرة السياسية للحزب الشيوعي العراقي ولا لحزب الدعوة العراقي ولالبقية الأحزاب العراقية التي ناضلت ضد سلطة الدكتاتور ، وكانت فكرة ( هيئة إجتثات البعث ) مساهمة في ابقاء الوضع العراقي غير مستقر ، بالأضافة الى تهميش دور القضاء والعدالة من خلال التعليمات والقوانين التي تصدرها الهيئة وتشمل فيها مئات الالاف من العراقيين ،على أن لايغب عن البال القوة التي منحها الدستور لتلك الهيئة ، وقامت الهيئة بعملها على أكمل الوجوه بتوزيع الأتهامات والسعي لأقصاء الاف العراقيين وفق منهج دوائر الأمن الصدامية وفقاً للتقارير التي يتم رفعها دون تدقيق ودون تأكيد من جهات تحقيقية أو قضائية ، وصار الأجتثاث الموس الحاد المسلط على رقاب ألاف العراقيين ودافعاً متعمداً للعديد منهم للوقوف في الخندق المعادي للعراق الجديد ، وأقصاءاً لمهمة القضاء العراقي في التحقيق مع مرتكبي الجرائم في العهد الصدامي وفي محاكمتهم وأصدار القرارات العادلة بحقهم ، كون القضاء المرجع المحايد في التحقيق والمحاكمات وفقا للدستور ، وفي تطور عراقي لافت للنظر أن العديد من المواطنين العراقيين لقوا حتفهم بذريعة الأنتماء لحزب البعث البائد دون التأكد من ارتكابهم جرائم توجب محاكمتهم . إننا نتحدث عن الهيئة كمنظومة وليس كأفراد أو مسؤولين ، وكلنا ثقة من وطنيتهم وحرصهم على المستقبل العراقي حالهم حال أي عراقي ، ولكننا نؤكد على تلك الممارسات القانونية والأدارية التي مورست ضمن تلك المؤسسة . ومن اللافت للنظر أيضاً أنه لم يتم القبض على ( مدير أمن واحد ) في كل محافظات العراق ، ولاعلى مسؤول مخابرات واحد في كل محافظات العراق ، ولم تجر ملاحقة المسؤولين عن تحقيقات جهاز الأمن الخاص ، ولا عناصر الأغتيالات الخارجية في جهازي الأمن والمخابرات ، ولا عناصر التعذيب في هذه الأجهزة الأمنية ، ولايغيب عن البال أن اجهزة صدام الأمنية كانت تتشكل من عناصر لاتحمل درجات متقدمة في حزب البعث البائد ، حيث يتم الأعتماد عليها أمنياً لتكون حتى العناصر الحزبية تحت مسؤوليتها ويدها ، وبذلك لم تتمكن الهيئة من متابعة وملاحقة تلك العناصر ، حيث وجد أنها غير مشمولة بضوابط الأجتثاث ، مما شكل لها غطاءاً في الإفلات من الحساب والتحقيق والملاحقة ، ومن الغريب أيضاً انه لم يتم التحقيق مع قضاة تحقيق الأمن في العراق ولامع المحققين الذين كانوا قد أرتكبوا ابشع الجرائم الإنسانية ،ولا حتى مع الشخوص التي احتلت رئاسات المحاكم الخاصة في زمن صدام ، في حين تم إحالة مختار محلة الى أخطر محكمة عراقية أتهم بأنه دليل لسلطة الأمن بالدلالة على بيوت عراقيين ، دون النظر الى مهمته كمختار ودون أن نتعرف على المحقق الذي قام بقتل 42 مواطناً من أبناء الدجيل أثناء التحقيق ، بطرق وأساليب التعذيب الأجرامي الذي تجريه أجهزة المخابرات والأمن في الزمن الصدامي البغيض ، ولاتطرق التحقيق الأبتدائي الى أسمه مطلقاً ، وكعلاج لسد الثغرات والفجوات التي احدثها قانون الأجتثاث ، ومساهمة في رفد مشروع المصالحة الوطنية صار الأمر الى الغاء قانون الأجتثاث وأبداله بقانون المسائلة والعدالة ، وهو مشروع آخر يتدخل في صلب عمل القضاء ويشرخ استقلاليته وسيبقى الى آمد ليس بالقصير يخلق فجوة بين الفصائل العراقية ونقطة خلاف حساسة بينها تعيق عملية التوحد الوطني . وأزاء عمليات الأعتقال اليومي العشوائي ، ومع امتداد الزمن الطويل الذي يتم فيه زج العراقيين بتهمة الأرهاب والتعاون مع المجموعات الأجرامية وحيازة الأسلحة النارية ، ودون أن نسأل عن السبب في حل الجيش العراقي وجعل مخازن الجيش العراقي مشاعاً بين الناس تأخذ منها ما تشاء من الأسلحة ، ولو قدر للمواطن العراقي أن يسحل الدبابة والمدفع لقام بها ولكنه اكتفى بالأسلحة الخفيفة والشخصية المحمولة أو التي يمكن بيعها والاستفادة من أثمانها ، نقول لانسال عن هذا ، ولكننا نسأل عن مصير الالاف من المتهمين الذين مضت مدد طويلة عليهم في التوقيف دون تحقيق ودون محاكمات ؟ والقسم الكبير منهم تحت سلطة القوات الأمريكية خارج نطاق القانون وسلطة القضاء العراقي ، وحتى الذين تثبت براءتهم في التحقيق ويتم أخلاء سبيلهم وإعادتهم الى مدنهم وبيوتهم يكونوا قد خسروا من حياتهم وأهاليهم الزمن الطويل ، ولا يحق لهم المطالبة بالتعويض من أية جهة كانت عن تلك الاضرار التي لحقت بهم ماديا ومعنويا ، ناهيك عن البيوت التي تهدمها قوات الأحتلال تحت شتى الذرائع والأسباب . الخطوة الأولى في المصالحة الوطنية أن نتفق على أن زمناً ليس بالقصير نخر الجسد العراقي وأربك المجتمع العراقي يتطلب من المعنيين بالمستقبل العراقي أن يحللوا واقعه ويعالجوا وضعه بعقل وعلمية بعيداً عن العواطف والشعارات التي لايمكن لها أن تعالج الحال وتبني الوئام الوطني . أن الحرص على المستقبل العراق لايأتي بالتعصب القومي أو الطائفي أو المذهبي ولاحتى بالعقائدي ، ومادام الجميع يدرك أن نهاية حقبة الزمن الدكتاتوري يلزم أن يقر الجميع أن العراق ليست الساحة المناسبة لتحقيق أيديولوجية واحدة ، ولايمكن لحزب أن يحقق أهدافه بتحويل العراق كما يريد ، وان يقر الجميع أن العراق متعدد القوميات ومتعدد الأديان ومتعدد المذاهب ، ووفق هذه التعددية يتم التعامل في رسم السياسة المستقبلية دون أن نجعل الوطن الكعكة الجاهزة للتقسيم وفق المحاصصات الطائفية أوالمناورات السياسية في مفاهيم الربح والخسارة ، أذ أن اعتماد تلك السياسة يعيق الحياة الطبيعية لبناء العراق الجديد ، بل ويساهم في تحقيق التشرذم والتبعثر الوطني . كما أن استئثار السلطة المحدودة من حزب واحد واحتكارها على أنصاره يشكل خطوة تراجعية تعيد العراق الى الخلف ، لأنه يفترض أن العراق للجميع بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية والعقائدية والدينية ، ودون ذلك سنقزم العراق مرة أخرى على الأحزاب ومن ينتمي لها فقط ، وستبقى جماهير كبيرة من الملايين التي اعتزت باٍستقلاليتها السياسية أو من التي أتعبها العمل السياسي المضني ضمن فترات التاريخ العراقي الحديث ، تبقى هذه الجماهير تنظر لهذه الأحزاب بعدم الرضا وعدم القبول ما يشكل عناصر متضادة ودافع سلبي للوقوف بالضد منها في مواقف ستضر المستقبل العراقي . يبدو من خلال تلك المعادلة أن غياب عناصر فاعلة في الساحة السياسية العراقية مؤشراً واضحاًُ على الخلل في عملية ألاندماج الوطني ، ومهما كانت الأسباب والظروف لغياب تلك القوى ، فأن هذا الأمر يجعل الخلل ينعكس مقيداً لعملية المشاركة الوطنية ، ولنا أن نعتبر القوى القومية في الساحة العراقية مثالاً ليس على سبيل الحصر . بالأضافة الى سيطرة خطر جديد يهيمن على الساحة السياسية العراقية وهو سيطرة الأحزاب على الحياة العراقية ، أذ لايجد المستقل وغير المنتمي مجالا أو فرصة ضمن هذا التحشيد والانتماء لحزب معين ، فلا يمكن للمستقل أو غير المنتمي إن يكون له أثر ضمن تلك المعادلة التي تتناقض مع ماجاء به الدستور العراقي من تكافؤ الفرص بين العراقيين ومساواتهم إمام القانون . كما ان الاستحواذ على الوظائف العامة وتوزيعها بين أعضاء الأحزاب المسيطرة على الساحة السياسية وفقا للمحاصصة وتقسيم المرافق العامة للدولة يخلق فجوة كبيرة في توسيع الشروخ بين العراقيين . وليس فقط حضور مؤتمرات المصالحة الوطنية يردم الفجوات والشروخ الحاصلة بين أبناء العراق ، وانما التخلص من النيات السلبية ووجهات النظر المسبقة لإيجاد وسائل عراقية لاتدخل فيها أصابع أجنبية تحت أي ذريعة ، هي التي يمكن إن تجد الطرق والوسائل التي ترسم طريق التوحد الوطني ، وسائل محسومة بالنوايا الحسنة والقلوب المنفتحة والضمائر الحريصة على مصلحة الانسان في العراق ، وهي مهمة وطنية وتاريخية سيسجلها التاريخ سلباً أو أيجاباً على القيادات السياسية في هذه المرحلة الخطيرة من تأريخ العراق الحديث . إن طريقة الإقصاء معاشيا ووظيفيا لايمكن إن تجدي نفعا أو تحقق الغاية المرجوة ولاتخدم عملية التوحد الوطني ، مثلما أن الأصرار على بقاء الميليشيات المسلحة في المدن العراقية كظاهرة غير منسجمة مع دولة القانون ويعرض أمن المواطن وعملية المصالحة الوطنية الى الكثير من التناقض ، على أن يتم التفريق بين الميليشيات التي ناضلت ضد الدكتاتورية ، وأصبحت في عداد القوات المسلحة والأمن والشرطة وحرس الحدود وبين التشكيلات المسلحة التي قامت بعد سقوط نظام صدام تحكم الشوارع والحارات والمدن بالسلاح والموت ، بشرط أن تتخلى عن التزامها الطائفي أو الحزبي ، لأن الأنتماء للعراق والحرص على امنه ومستبله يبقى الأساس الذي تقوم عليه مهمة هؤلاء . أن طرح مشروع المصالحة الوطنية من قوى سياسية معينة ، يتطلب الأستجابة من القوى الأخرى ، ونجد لزاما على جميع القوى التعاون من اجل ايجاد القواسم المشتركة في أنهاء محنة العراق ، وعدم القبول ببقاء القوات الأجنبية تحت أي ذريعة وسبب في أقصر فترة زمنية ممكنة ، و أن نعيد دراسة ما نريده من المصالحة الوطنية وما يمكن أن نحققه إستراتيجيا وسياسيا لصالــح المستقبل العراقي . وكان السيد رئيس الوزراء المالكي قد أكد من انه لا يمكن ان تضطلع الحكومة او الاجهزة الأمنية لوحدها بالمهمة الأمنية ولا بد ان يكون هناك دور كبير لابناء الشعب العراقي".ووعد باعادة النظر في قانون اجتثاث البعث عبر لجنة يشكلها مجلس النواب وقال ان الكثير من البعثيين يريدون ان يتخلصوا من هذا الماضي الثقيل الذي لحق بهم جراء انتمائهم الى هذا الحزب المشوه" ، وبعد أن تمت إعادة النظر في هذا القانون ليصار الى اعتماد قانون المسائلة والعدالة يترتب بعد ذلك الأرتفاع بمستوى الأداء الحكومي والسياسي الى المستوى الذي يليق بالمسؤولية في رسم خطوات المصالحة الحقيقية .أن تغيير التسميات والقوانين لايخلق الأرضية والقاعدة التي تحقق المصالحة الوطنية ، بل أن الحرص على عدم تهميش أي طرف أو طاقة أ و كفاءة لخدمة العراق مشتركا ، بالأضافة الى التفكير في مشروع عودة الالاف من الكفاءات العراقية المهاجرة وترتيب عودة كل العراقيين للمشاركة في عملية بناء العراق من جديد ، هي التي تساهم في ترتيب امور البيت العراقي الواسع . ويمكن أن نقول أن المصالحة الوطنية تتحقق في اعادة ترتيب قوى المجتمع العراقي واعادة اصطفاف الأكثرية منها الى جانب النظام الاجتماعي الجديد ، على أن يتم عزل العناصر والجهات التي يثبت أرتكابها الجرائم ومحاسبتها وفق الالية القانونية ، وهي أعداد قليلة ومشخصة ومعروفة ، وبما يتناسب مع ما تفرضه المرحلة الجديدة من أحترام لمبادىء حقوق الانسان ، وحتى تكون المصالحة طريقاً لاعادة التوازن الوطني في تطبيق النظرة الإنسانية للمواطن العراقي والتأكيد على التساوي الذي نص عليه الدستور . وبالرغم من التخلص من سلطة صدام فلم تزل العديد من الأطر العامة في المجتمع العراقي وفي مفاصل الدولة العراقية تعمل وفق الأجندة الصدامية ، ولهذا ستكون مهمة أعادة ترتيب بناء البيت على أسس وطنية وأنسانية على أن لايتم استثناء أو تهميش أو ألغاء أي مكون عراقي قومي أو ديني أو مذهبي لأي سبب كان هو الطريق الأنجع والسليم لبناء أسس البيت العراقي الكبير . وأذا كانت الخطوة الأولى في اعتماد مفهوم العدالة في الفترة الأنتقالية ، فأن مهمة تلك العدالة الانتقالية واسعة ، أذ تشعب مهام العدالة الانتقالية بين طرح الدراسات والأفكار في سبل معالجة محاكمة المجرمين وأنزال العقاب القانوني بحقهم ، فانها ايضا ترسم وفقا للبحوث والدراسات ما يتعلق بمعنى المصالحة والمصارحة والتسامح من اجل أعادة المجتمع في ظل السلام المدني والممارسة الديمقراطية واعتماد الشرعية في أسلوب الحكم ، وبالتالي فأنها تعد بمثابة التأهيل بعد فترة الأنحسار التي يعيشها المجتمع في ظل تلك الأنظمة ، دون سيطرة نوازع الأنتقام والأنفعال . يعني مصطلح العدالة الأجتماعية جميع الأجراءات التي تقوم السلطات الشرعية القائمة على انقاض السلطات الغاشمة والدكتاتورية ، المتهمة بارتكاب الجرائم بحق المواطنين وانتهاكات حقوق الإنسان والخروقات الواضحة للقانون الدولي ، ووفقا لما تطرحه الدراسات من افكار تأسيس المجتمع الآمن وتعزيز أسس العدالة والقانون وترسيخ مبادئ المصالحة الوطنية والسلام في تلك البلدان ، من اجل البدء بتأسيس خطوات لازمة وضرورية لمسيرة أجتماعية . ولذا تسعى العدالة الانتقالية الى ان تكون إجراءات عملية بعيدة عن الشعارات ، ذات معاني انسانية عميقة ، وتصب في خدمة تأسيس مجتمع تحكمه القوانين والعدالة ويسودة الأمن والسلام ، وان لايتكرر ما جرى من جرائم وويلات وانتهاكات ، مع تثبيت مبدأ معاقبة الجناة ، وتأسيس مرتكزات المصالحة الوطنية ، ولهذا فأن عملها يتشعب بين توثيق ومحاسبة من ارتكب الفعل الإجرامي وفقا للقوانين ، وبين أيجاد المشاريع التي تعيد الحياة في المجتمع الى طبيعتها بأقل خسارة ممكنة . وفي عملية التحول الى الديمقراطية لابد من ترسيخ أسسها ، ومن مقومات ترسيخ تلك الأسس مايتم طرحه في برنامج العدالة في الفترة الانتقالية التي تستوجب من ضمن منهجها ، التحقيق القانوني في عمليات الإعدام خارج نطاق القانون ، وكذلك حالات الإعدام التعسفي والتصفيات دون تحقيق أو محاكمة والاغتيالات السياسية والطائفية . وتقوم مهمة العدالة الأنتقالية أستنادا الى القوانين العقابية منها والإجرائية ، لذا فأنها منظمة ولا تقوم على العواطف والأنفعال في الفعل ورد الفعل ، مع الأستعانة بالخبرة والفنيين للاستعانة بهم في استجلاء الحقائق التي تتطلب تقريرا مفصلا من جهة الأختصاص ، كما ينبغي توفير الضمانات اللازمة لعنصر التحقيق في الحماية والأستقلالية ، كما يستوجب توفر خبرة ودراية ليس فقط في عملية التحقيق ، وانما في حيثيات التاريخ ومجريات الأحداث ، بالإضافة الى إمكانية طلب المساعدة من الجهات القانونية الدولية لتقديم المساعدة في مجال القانون الدولي والوقائع المماثلة ، سواء منها ماكان دوليا أو على شكل استشارة . وإذا كانت مفاهيم العدالة في الفترة الانتقالية ضرورية ومنسجمة مع عملية البناء والترميم والتغيير في المجتمع العراقي ، فأن التمسك بقيم التسامح والمحبة والتآخي لاتتعارض مع هذه المفاهيم مطلقاً . تبدو الحاجة أحياناً الى تبني مواقف تتطابق مع المشاعر الإنسانية ، وهذه المشاعر التي تجسدها القيم والاعراف الخيرة التي بقيت في أعماق نفوس العراقيين ، والموروثة منذ أجيال العراق الأولى وحرصت على تداولها والتفاخر بها ، والتي لم تستطع سلطات الموت وتعاقب الطغاة أن تقتلعها من أرواحهم ، لم تزل تعبر عنها في السلوك الجمعي أو اليومي بين الأفراد سواء داخل العشيرة أو المجتمع ، أن اشاعة ثقافة التسامح بين العراقيين وتفعيل دور الحوار الوطني والتسامح يشكل مطلباً وحاجة وطنية ينبغي التمسك بها كعامل مساند لعملية إنقاذ المواطن العراقي من دوامة العنف والأرهاب والتصدع الحاصل في جدار الوطن والشروخ التي حصلت - ومهما كان أسبابها - بين القوى الأجتماعية والسياسية في العراق ، وتلك مهمة تثقيفية وتربوية تضطلع بها ليس فقط مؤسسات المجتمع المدني ، إنما كل القوى السياسية الفاعلة بالأضافة الى الدولة . . والتسامح يعني الجُودُ ، وفي الحديث: يقول الله عز وجل: أَسْمِحُوا لعبدي كإِسماحه إِلى عبادي؛ الإِسماح: لغة في السَّماحِ؛يقال: سَمَحَ وأَسْمَحَ إذا جاد وأَعطى عن كَرَمٍ وسَخاءٍ؛ وقيل: إِنما يقال في السَّخاء سَمَح، وأَما أَسْمَح فإِنما يقال في المتابعة والانقياد؛ ويقال: أَسْمَحَتْ نَفْسُه إذا انقادت، والصحيح الأَول؛ وسَمَح لي فلان أَي أَعطاني؛ وسَمَح لي بذلك يَسْمَحُ سَماحة. وأَسْمَح وسامَحَ: وافَقَني على المطلوب ، كما تعني التيسير . والتَّساهُل : التسامُح . واسْتَسْهَلَ الشيءَ ( لسان العرب - أبن منظور ص 2790) . ومؤكد أن ثقافة التسامح وتعزيزها بحاجة إلى التبسيط والشمولية وإلى أرضية مناسبة تتَّسم بمساحة من الفضاء الأنساني الذي تستطيع الأطراف التحرك من خلاله دون قيود أو تحديد ، وعلى اساس توفر الأرضية التي تعمل عليها ثقافة التسامح ، لتكون فاعليتها مع وجود حقِّ التعبير وحقِّ الاختلاف والتحلي بالقدرة على الاستماع للرأي الأخر واحترامه ، لأن مساحة الحرية تعتبر مساحة مساندة ضمن هذا الفضاء الإنساني المطلوب في ثقافة التسامح . كما أن وجود مجتمع مدني يكون شريكًا فاعلاً مع الدولة التي لا بدَّ لها أن تعمل وفقًا لسيادة القانون وبالمساواة بين المواطنين، من دون تمييز بسبب الجنس أو الدين أو القومية أو المذهب أو الخلفية الاجتماعية أو الاتجاه السياسي أو أيِّ سبب آخر ، يساهم معها بشكل فاعل في إشاعة هذه الثقافة ، والدعوة للتمسك بهذا المنهج الذي لابد إن ينتج أثره في إنقاذ البلاد من التدهور الذي وضع عجلات مسيرته في هذا الزمن عليه . من شروط نجاح التجربة الديمقراطية في العراق مرهون بما يتوفر من قناعة القائمين على مشروع التطبيق الديمقراطي في البدء بتطبيق ثقافة التسامح والقبول والتعايش السلمي مع من تختلف معهم ، وإيجاد صيغ من خلال القواسم المشتركة لتحمل المسؤولية بشكل مشترك . وأذ تتشكل فكرة التسامح على أساس الاشتراك الجمعي في طي صفحة من الصفحات التي تخللتها حالات الإقصاء وتكميم الأفواه والظلم والتهميش بما لايصل الى درجة الجرائم الجنائية التي يتوجب أن يطالها القانون ، إذ يعتقد البعض أن فكرة التسامح ستكون سدا إمام الإجراءات القانونية بحق من ارتكب جناية ينبغي محاسبته عليها ، حيث سيكون القضاء هو الفاصل في ما ارتكبوه من أفعال ، وفكرة التسامح تنبع ايضاً من أرادة الفرقاء الذين يرتضون بالتنازل عن بعض ماتراه جهة منهم على أنها حق ، قيمة التسامح تكمن في فلسفة حقوق الإنسان وشرعتها وتستمد أيضاً ركائز لها في الفكر الإنساني ، فالتنازل لايصب لمصلحة الغير المقابل ، أنما يصب لمصلحة الجميع . وحين يجد كل طرف أن الحق إلى جانبه ، وأنه يمتلك المشروعية ، فأن الأمر يدفع بأتجاه حصول تصادم طبيعي في الاعتقاد ، ينتهي الأمر إلى إظهار مغلوبين وغالبين، مهزومين ومنتصرين ، وخاسرين ورابحين ، وتكون النتيجة أنهم حلوا مشكلتهم تلك بكثير من التعصب وبقليل من التسامح ! فيتم الأنسياق غالباً إلى تطاحن وتعارض يعتمد الطائفية أو التناحر القومي المتعصب أو خلاف سياسي يصل الى حد التعصب ، أو الى حرب من أشرس الحروب ، أسوة بكل الحروب الداخلية التي خسر بها الجميع والتي سجلها التاريخ البشري بكل حزن وأسى ، لم تشف شعوب منها و من جراحها حتى اليوم ، ولهذا فأن اللجوء الى الحوار وإلغاء فكرة الانتقام والثأر وأناطتها بالقانون ، يعتمد على استعداد الأطراف التي تريد بناء مستقبلها على أساس تغليب المصلحة العامة على النزعات الشخصية والمشاعر الدفينة البعيدة عن التعقل والتروي في نتائجها . أن خلق حالة من الثقة وطرح الأحكام المسبقة في قضايا الحوار يقود الى تسهيل التطبيق السليم لعملية التسامح ونشرها ضمن المجتمع ، فعملية الحوار هي من ضمن عوامل المصالحة الوطنية والوفاق الوطني ، وهي عمود من أعمدة التسامح كما ذكرنا . أن الأيمان بثقافة التسامح والتوصل الى المصالحة الوطنية ، تشكل تلبية لنداءات الضمير العراقي والحاجة الماسة والملحة لهذا المنهج غير البعيد عن الممارسة الجمعية في العراق كما تفرضه الفطرة الإنسانية في الحياة العامة ، ويتداول أهل العراق العديد من الأمثلة والأشعار التي تشيد بالتسامح وترتقي به الى مصاف القيم التي يتفاخر بها الرجال ، مثلما قيل في مبادئ القوانين أن الصلح سيد الأحكام ، وفي الآيات الكريمة ما يعزز التسامح والعفو عند المقدرة ، والابتعاد عن العنف و نبذ روح الانتقام ، هذه الثقافة تشكل ترسيخاً قوياً لمعالم الوحدة الوطنية التي ينبغي بناؤها على أساس من الثقة وبعيداً عن الهواجس وحسابات الخسارة والربح ، هذه الوحدة الوطنية هاجسها أنقاذ العراق من التدهور المريع الذي يتدحرج اليه يوميا في حياة ووضع شائكين لايليقان بالعراق ، مع بروز نذر وأخاديد تشوه تاريخه الجميل ، وتقلق مستقبل أجياله ، وبالتالي تترك شقوق وخنادق تتعمق يوما بعد آخر بين أطيافه وفصائله التي تشكل جميعها العراق الحقيقي . فأذا كان التسامح من بين معانيه الكرم والجود ، وبما عرف عن العراقيين من كرم وجود صار الأمر ضرورة إظهارهما وتطبيقهما عملياً ، والتسامح يعني أن تعتقد جميع الأطراف أنها معنية بموقف من شأنه أن يوصل الناس الى بر الأمان ويعيد الأمن والبهاء والحياة الاعتيادية الى العراق ، كما يتطلب الأمر أيضاً الدعوة الى إلغاء النظرة التشاؤمية التي بدأت تنتشر بين الناس وإحلال البدائل المضيئة في حياة الناس ، ومن النظرات التشاؤمية التي بدأ يطرحها قسم من الناس المحبطين ، تلك التي تقول أن حكم الطاغية الدكتاتور بالرغم من سلطته الباغية وقمعه وطغيانه الا إنه كان يوفر الأمن للجميع ، ويفرض سيطرته وقوته على الشارع ، وتتمنى الناس البسطاء إن تعود سلطة الدكتاتور على أن لاتبقى الأوضاع على ما عليه اليوم . وبالرغم من سذاجة الفكرة وابتعادها عن الواقع ، الا أنها أشارة رمزية لحاجة الإنسان العراقي الى دولة القانون واستعادة الأمن وتطبيق الدستور والقوانين على الجميع دون تفريق بسبب القومية أو الدين أو المذهب . فكرة التسامح تنبع من الضمائر الحريصة على العراق ، وهي تتعارض قطعاً مع الحسابات المسبقة ، أو النيات غير الصافية ، وأراء المحنة الكبيرة التي يمر بها العراق ، والتي هي سبب من أسباب ماخلفته الدكتاتورية وحقنته طيلة تاريخها الممتلئ بالأورام والعقد ، وهي تفوح اليوم بروائح ليس من بينها ما تتطابق مع قيم أهل العراق ، أمست الحاجة ماسة الى أبراز فكرة التسامح وطرح الأفكار الأخرى التي تتعارض مع عبور العراق الى ضفة الأمان والتخلص من الوجود الأجنبي . بالمحبة والتسامح ودولة القانون نستطيع أن نعيد العراق للعراقيين ونبني دولة تليق بالعراق .