أستضافت ساقية الصاوي بالزمالك الشاعرة العراقية المغتربة- أمل الجبوري _ بمناسبة صدور مجموعتها الشعرية الجديدة ( هاجر قبل الاحتلال , هاجر بعد الاحتلال ) وبمشاركة المطربة اللبنانية (جاهدة وهبه)التي غنت مختارات من قصائد الشاعرة. وشارك في الأمسية النقاد:د. شريف الجيار، د. ثناء أنس الوجود عبر تقديم قراءات نقدية حول المجموعة.وادار الجلسة الشاعر شعبان يوسف
المجموعة الشعرية الجديدة الصادرة عن دار الساقي اللبنانية تضم 61 قصيدة في 79 صفحة من القطع المتوسط، مع سي دي بقصائد مغناة.
واختارت الجبوري لغلاف ديوانها الجديد صورة لمقبرة "وادي السلام" في مدينة النجف الأشرف.
تقول الشاعرة في مقدمة مقتضبة لديوانها الجديد؛ مخاطبة العراق:
( سيدي ومولاي ليصب الديوان قصائده، شآبيب نار تسيل على نافذة الغيم العراقي المحتل، فاقداً أهليته في المطر).
وصفت الشاعرة العراق بالممنوع في مستهل قصائد الديوان حيث قالت: ( بلدي قبل الاحتلال : جواز سفر ممنوع من السفر.
بلدي بعد الاحتلال : مختوم بالأحمر، غير صالح للعراق".
وجميع قصائد الديوان نابعة من الواقع العراقي.
أمل الجبوري : شاعرة ومترجمة عراقية، تقيم في ألمانيا، ، تخرجت في كلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية في بغداد عام 1988.
غادرت العراق عام 1997 إلى برلين وعادت إليه بعد سقوط النظام السابق عام 2003 حيث أسست الفرع العربي لديوان اتحاد الشرق والغرب في بغداد، وترأس تحرير مجلة (ديوان) الثقافية التي تصدر من برلين بالعربية والألمانية.
أصدرت منذ عام 1986 أكثر من ديوان شعري آخرها (تسعة وتسعون حجاباً) والذي حصل على جائزة الإبداع للشعر في النادي العربي اللبناني في باريس. وصدرت ترجمة ألمانية لمختاراتها الشعرية بعنوان (بيننا كل هذا الفراق) عن دار فريديناو برته عام 2003، وقبله ديوان (لك هذا الجسد لا خوف عليك) عام 1999.
اتجهت بعد احتلال العراق إلى كتابة الأناشيد التي تجسد معاناة الشعب العراقي، وكتبت أكثر من نشيد في هذا الاتجاه وتحولت قصيدتها الأخيرة "يا سيد البيت الأبيض" إلى أغنية صورت بطريقة الفيديو كليب وعرضت في أكثر من مناسبة.
وكتبت الشاعرة في أهداء كتابها العبارة التالية :
إلى سيدي العراق ومولاتي ربة الصبر بغداد
إلى أرواح الشهداء والمغدورين والمختطفين في بلدي
إلى روح الشهيد عثمان علي ابن العظمية, الشهيدة عبير ابنة المحمودية, الشهيد الشاعر أحمد أدم ابن كربلاء ,والشهيدة أطوار بهجت ابنة سامراء
إلى أهلي العراقيين جميعا ضحايا الاحتلال والإرهاب والتسلط في كل مكان
وأفتتحت الامسية بعرض الفلم الوثائقي الذي انتجته الشاعرة بعنوان احدى قصائدها (يا سيد البيت الأبيض ) والتي تقول فيها :
يا سيد البيت الأبيض
اعد لي مدينتي بلا نعوش
اعد لي مدينتي بلا سواد
اعد لي تلك البلاد
التي كانت تسمى يوما بلادي
( موطني موطني )
كانت الحرية في سبات
وحينما جاءت
جاء التطرف
تناسل العنف
كبر الموت - كبر الخوف
وتعدد الطغاة
( لا نريد لا نريد )
موطنًا يرمد وفتية تشرد
لا نريد لا نريد
يا سيد البيت الأبيض
لا لست المسيح
كل القتلى تصيح
هنا في بلادي - هناك في بلادك
وحق موطني
لا لن أغفر لك
يا سيد البيت الأبيض
عد من حيث أتيت
عد من حيث انتهيت
كل الضحايا تصيح
ضحايا تصيح
(لن نكون للعدا كالعبيد )
عد من حيث أتيت
عد من حيث انتهيت.. انتهيت.. انتهيت
يا سيد البيت الأبيض
( موطني موطني)
دخلت الشاعرة للديوان من مثلٍ سومري: "ما اعطي بالذل يجلب العار" وهي امتداد معرفي متجذر في وادي الرافدين، يمتد بنا الى حكمة الامام الحسين بن علي .. عليهما السلام، تأصلاً .. وسط واقعة الطف الهوجاء : " لااعطيكم اعطاء العبيد ولا اقر لكم اقرار الذليل " ليستشهد .. ملاقياً ربه من دونما مبايعة يزيد بن معاوية . عام 61 للهجرة .
ثم خاطبت العراق منادية :" سيدي ومولاي " ليصب الديوان قصائده، شآبيب نار تسيل على نافذة الغيم العراقي المحتل .. فاقداً اهليته في المطر .
ضم الديوان واحدة وستين قصيدة، اعادتنا الى عام 61 للهجرة الذي استشهد خلاله الامام الحسين (ع)
. وهي قرينة لازمة طبعت لاوعي الشاعرة الجبوري .. بل طبعت الادب العراقي والفن ايضاً، حتى باتت التعازي الحسينية تضفي ظلها على الاغاني العاطفية و قصائد الشعراء الذين تأتي بينهم امل الجبوري على رأس جيل يتوسد خريف الثمانينات من القرن العشرين بينما قدماه تمتدان الى ما بعد ربيع الالفين من القرن الحادي والعشرين، في زمان كثير .
واشار لشاعر " شعبان يوسف " الى ان ادباء العراق وشعراؤه يبدعون بطريقة تترجم واقع العراق اليوم وما يمر به من محن ليكونوا شهداء عصر يوثقون ما تمتلأ به ساحة الواقع الصعب والشاعرة أمل الجبوري واحدة من هؤلاء الذين يشعرون أن عليهم مهمة أعادة دور المثقف الى مركزه المطلوب في قول كلمته ازاء المشروع السياسي الذي يضرب بتشظيه مجريات الحياة العامة في العراق .
فيما أشار الناقد الدكتور " شريف الجيار " الى أن المقارنة التي استخدمتها الشاعرة توضحت في الديوان عبر
قصائد : (الدين) و (الامومة) و (الجيران) و (البنوة) و (الزواج) و (الرجال) و (الجدران) و (الروح) و (القلب) و (الجسد) و (القبر) و (دجلة) و (الحرية) و (الشرف) و (الغم) و (الساعة التاسعة)
تسترسل قصائد الديوان المتوزعة .. ترادفاً : - قبل الاحتلال وبعده الى اغراض شعرية نابعة من الواقع العراقي الان : (الندم) مرتين قبل وبعد الاحتلال و (الوحشة) مرة واحدة والى الابد . فالوحشة قبل الاحتلال غيرها بعد الاحتلال والجبوري تعي ذلك، بنظرة متفحصة تلقيها من المنفى على العراق .
ويتواصل الديوان مع قصائد الثنائية : (الصور) و (العيد) و (الحب) و (كرة القدم) و (الموت) و (العظام) و (بغداد) خاتمة للفصل الاول من الديوان، تسبقها القصيدتان اللتان اخذت عنوانه منهما : هاجر قبل الاحتلال التي جاء في مستهلها " كانت تريد العودة لتعثر على اجوبة لاحلامها القديمة " مستفهمه عن ماء دجلة والعشاق على ضفاف الفرات، لتطرح نفسها بنية " تطفئ نار الحرب باردانها " وتحذر من سوط الحرب الاعمى وخياناتها : " الحرب بائعة هوى .. لايهمها سوى ثمن مدفوع سلفا ً " .
ودور البنية ليس كثيرا ً على شاعرة كمثل امل الجبوري ولاهو بكثير على وجدها الانساني النبيل .. هياماً بالعراق وولاءً لاصدقائها ادبائه .. وعموم مواطنيه بكل ماتحاول ان تحققه لوطن يلفظ ابناءه على مر العصور ويشتتهم في مذلة شوارع العالم التي لاترحم .
وتخللت كلمات النقاد مقاطع غنائية وشعرية دارت ما بين الشاعرة والفنانة وهما يقدمان قصائد المجموعة عبر غنائيات من التراث العراقي ومتمازجا مع قصائد الديوان .
وتحدثت الدكتورة " ثناء أنس الوجود " عن المجموعة مشيرة الى انها لا تقبل ان يكون العراقي فاقدا للحلم بالغد المتفائل ورغم قوة الالم الذي نشره الديوان كما تقول الناقدة انها طوال قراءاتها لم يصدف ان زودها كتاب ابداعي بكل حجم الالم الذي استلمته من ديوان " الجبوري " فهي تغوص في القلب لتؤشر عمق الجرح الذي يمر بالعراق , لكن على الشاعر ان يفتح دائما اشرعة قوة الامل والتفاؤل والايمان بأن العراق طوال حياته أستطاع ان ينهض من جديد كعنقاء لا تؤمن بالفناء .
كما تطرق الشاعر " شعبان يوسف " الى ما ضمه الكتاب في فصله الثاني اذ تفتح الجبوري (باب الاناشيد) ، الذي حمل في مستهله (انتحار السؤال) قصيدة و (يادجلة الذكريات) التي اهدتها الى روح الشهيد عثمان بن علي السباح السني البطل الذي مات وهو ينقذ الشيعة من الغرق خلال فاجعة جسر الائمة الشهيرة .
وقرأت الشاعرة مختارات من الديوان ومنها :
(كلنا خاسرون) عنواناً لاحدى القصائد، لتروي في قصيدة اخرى : (حكاية من المدينة الارملة) مستفيدة من اسطورة انليل رب العواصف في سومر : " والناس ينوحون .. جثث البشر لانكسارات الجدار .. كانت تغطي الطرقات .. والجدران كانت متصدعة .. البوابات العالية والمسالك .. تكدس الموتى فيها .. وفي الشوارع العريضة التي تعود الانسان الاحتفال .. تكدس هناك الموتى .. في الحقول الطليقة المملوءة بالراقصين تراكمت جثث الموتى .. وملأ دم البلاد وثقوبها "
ثم تسترسل الحكايات بعد المليون على التوالي : 1و2 و3 و4 و5 و6 التي ينتهي بها الفصل، ليهدأ فصل (وداعاً ايها الشعراء) وهو على قصره خاص بالشعراء و (الشعر قبل وبعد الاحتلال) حيث تنتهي صفحات الديوان بقرص CD سجلت عليه قصائد للشاعرة امل الجبوري ملحنة و مغناة بصوت المطربة اللبنانية جاهدة وهبة .
- تصدرت الديوان ببليوغرافيا عن الشاعرة، جاء في بعض منها : " اسست مجلة ديوان وديوان الشرق الغرب واصدرت ديوان خمر الجراح واعتقيني ايتها الكلمات ولك هذا الجسد لاخوف علي وترجمة مسرحية موت الحلاج للامريكي هربرت ميسن ورواية حيث تلتقي الانهار للمؤلف ذاته ومختارات من شعر انتسنسبيرغر وسارتوريوس وشيمل وصدر لها ايضاً ديوان (تسعة وتسعون حجاباً) وكتاب بالالمانية يوثق للتشكيل العراقي .
- وفتح الشاعر رئيس الجلسة باب الحوار مع الجمهور النوعي والمتخصص والعام الذي حضر الجلسة ومنهم من جنسيات مختلفة من اندونوسيا وتركيا وفلسطين ومصر واليمن بالاضافة الى العديد من المثقفين العراقيين المقيمين في مصر واشاد الجميع بالديوان وبصوت المطربة اللبنانية التي اضافت للقصائد بعدا جماليا اخر .
يفضي ديوان: (هاجر قبل الاحتلال .. وهاجر بعد الاحتلال) للشاعرة امل الجبوري، بقارئه، الى التساؤل :- هل كان سيظهر جيل بهذه الطاقة الشعرية التي تتخفف من اعباء قدرها لتحلق فوق الزمان والمكان .